1
والديّ، أجمع المحصول وأرش الحقل وأضع الفتات في قنّ الدجاج. لو لم أرَ المدينة المكتظة، لو لم اختبر التدريبات العسكرية القاسية، لو لم أجرب هول الحروب، هل كانت حياتي لتختلف؟! لا.. بالطبع لا. كنت سأشعر بأنني فاشلة وبلا قيمة، وربما قتلت نفسي عقاباً لها. كل الخيارات التي كانت أمامي سيئة رغم أني ربما أكون اخترت أسوأها. لم يكن هناك مفر من العذاب، لكنني فررت.. لقد مت! حمداً للإله على هذا. ورغم سعادتي الخفية بحقيقة موتي إلا أنني أحبذ لو لم أولد من الأساس….
انبلج الصباح وتسربت خيوط الشمس الذهبية إلى مقبرتي العزيزة لتفتت الضباب الأخضر وتعيده إلى العدم الذي أتى منه. مرّت الساعات الأولى دون حدث يذكر كما تمر كل الساعات هنا اساساً. لكن قبيل الظهر بقليل توقفت شاحنة حمراء كبيرة محملة بعلف الحيوانات أمام بوابة المقبرة وترجل عنها زوجان في منتصف العمر. كانت المرأة ترتدي وشاحاً قماشياً ملوناً حول عنقها ومؤخرة رأسها، وسروالاً قطنياً واسعاً، وتحمل بين يديها باقة زهور صفراء حديثة القطف. تقدمت الرجل بخطوات سريعة بينما كان منشغلاً بتناول شيء ما من داخل السيارة. بركت على الأرض أمام قبري بعد أن وضعت الأزهار هناك ثم شرعت تبكي بصوت خفيض وهي تضم يديها الخشنتين إلى صدرها. اقترب الرجل حاملاً باقة زهور أخرى باللون الأزرق الغامق، اللون الذي يحبه تشارلي. نزع قبعة القش من رأسه وتوقف بعيداً عن المرأة. كان ينظر نحوي بنظرات عميقة ثاقبة حتى ظننت أنه يراني، لكن تبين أنه كان ساهماً في شجرة الطقسوس الضخمة التي كاد يجتثها في شبابه ليصنع من ساقها حطباً للمدفأة. لكنه تراجع عن الفكرة لشيوع خرافة تقول أن الشجرة هذه هي ملاذ الميتين الأخير. ها هي ذي قد كبرت وازدانت بالتغذي على رفات كل هؤلاء.. على رفات طفليه العزيزين. اقترب وجلس جوار امرأته حانياً ظهره، مطلقاً العنان لدموعه الحبيسة. أمي.. أبي، لا تبكياني وتشارلي، كلانا على ما يرام. ابكيا نفسيكما فأنتما الأحياء، أنتما اللذان لم تمتلأ أقداحهما بعد بما يكفي من المعاناة.
جلست الى جوارهما وأنا قابضة على ذراع أمي. لم تكن تحس بي بالطبع لكني أحس بها، كرد فعل من دون فعل. كنت أتلمس بشرتها القمحية المجعدة عندما سحبت يدها فجأة لتمسح الدموع التي أغرقت وجهها النحيل. بقيت إلى جوارهما هكذا وكنا ثلاثتنا نطالع قبر تشارلي بحزن ورياح باردة تهب علينا من جهة الشمال، كان نسيمها الريفي المنعش محملاً برائحة ماء النهر والقمح والسماد العضوي، بالإضافة الى الأريج الذي يتصاعد من الأنواع المختلفة من الزهور أمامنا. أخذت نفساً عميقاً وعبأت صدري بعطر الطبيعة الفواح، كم هو رائع أن أشم مجدداً! أنا أدرك أن الطبيعة خلابة، أن المخلوقات بأكملها مذهلة وأن الكون معجزة حقيقية. لكن كل هذا الجمال لا يكفيني، لا يرضيني، لا ينسيني ما رأيت وما اختبرت ولا يجعلني –بأي شكل كان- ممتنة لوجودي. موتي كان خطوة كبيرة في الطريق الصحيح وكل ما تبقى الآن هو أن أصير من العدم.
انتهت الزيارة المفعمة بالحنين وعاد المزارعان إلى بيتهما وحقلهما وبقيت أنا أتجول كعادتي بين القبور في انتظار شعاع أو نور أو ملاك اتبعه فيأخذني إلى مثواي الأخير. لم أظن أن انتظاري سيطول كثيراً ولكنه دام ثلاثة عشر ليلة كاملة رأيت بعدها ذلك النور، فتبعته. كان يُطل عليّ من خلف الضباب الأخضر مشعاً واضحاً ومرحّباً بي. هرولت نحوه بشوق قد تخليت عن حماية أنفي من رائحة الضباب، ها هو ذا خلاصي، إنني أراه. تشارلي.. تشارلي هل أنت هناك؟ هل تنتظرني هناك؟ جذبني الضوء بطريقة غريبة. لم أكن بالمادية التي ظننتها، بل كنت أقرب الى بخار يتم استنشاقه من قبل نور شاسع!
على أيّ حال. أظنني دخلت عالم الآخرة الحقيقي. مكان مختلف عن المقبرة تماماً، مظلم وضيق، لا شيء فيه سوى اللون الأسود الداكن. لم تكن هناك رائحة معينة ولا صوت يسمع. شعرت بضيق شديد، وبأن جدراناً خيالية تطبق على جسدي، وأن جسدي هذا ضخم جداً مقارنة بالمكان الذي أُقحمَ فيه. نور آخر التمع في نهاية النفق لكني لا أستطيع الحراك. دفعتني الجدران الخيالية بقوة تجاهه كأنها تعترض على وصفي لها بالخيالية، إنها حقيقية تماماً. سمعت صوتاً أنثوياً خافتاً ما لبث أن ارتفع بالصراخ، يا الهي! أنه الجحيم.. سأرسل إلى الجحيم مع الخاطئين. لا أريد ذلك.. لا! دفعة أخرى قوية من الجدران وتزداد الصرخات، يمكنني الشم الآن، رائحة خفيفة ولكنها موجودة، هناك عرق و دماء وشيء أشبه بالمعقمات الطبية. أين أنا بحق الله! تمر دقائق طويلة عليّ وعلى المرأة الصارخة، دقائق من الادراك والفهم العميق لحقيقة هذا العالم، دقائق معدودة من الوعي