1
أتكئ بجذعي على البناء الاسمنتي الذي يرتفع نصف متر عن الأرض وأنا أعقد ذراعيّ خلف رأسي. آخذ نفساً عميقاً.. عميقاً جداً. لا أشتمُّ أي شيء، صدري لا يعلو أبداً.. لم اعتد عليه هكذا، ساكناً.. أكرر المحاولة مجدداً، هيا يا أنفي.. يمكنك الشمُّ حتماً، لابد أن هذا المكان يعبق برائحة الطين، أو الأعشاب الرطبة، أو اللحم المتحلل، أو العظام المفتتة، أو جميعها معاً. يمكنني تخيل هذا بوضوح في عقلي، لكنني مع ذلك لا أشم. لا أدري لمَ أفتقر إلى هذه الحاسة بالذات، ما زال يمكنني لمس الأشياء، أقضي وقتاً طويلاً من يومي في تحسس سيقان أشجار الطقسوس الضخمة، ومحاولة جرح أصابعي بنتوءات لحائها وكلّي أمل في أن أرى بعض الدماء. ما زال بإمكاني أن أسمع أيضاً، صوت الرياح والطيور ومعول حافر القبور وهو يخترق الأرض الصلبة كل فترة ليفسح المجال لجثة أخرى. وبالطبع أستطيع أن أرى. أرى شواهد القبور المنتصبة أمامي والسماء الواسعة التي تشعرني بالرغبة في الانكماش أكثر وأكثر، وأرى –من حين لآخر- الزوار والمعزّين وهم يوارون أحبائهم تحت التراب، أو يبكون على من واروهم تحت التراب قبل زمن. لماذا الشمّ اذاً؟ لابد أنها الحاسة الأكثر حساسية، التي تتبخر على الفور ما إن تتوقف الدماء عن الجري في عروقك. لابد أنها حاسة عظيمة جداً وحيوية جداً بحيث لا يمكن لميتة مثلي الاحتفاظ بها في حياة البرزخ….
أذكر كل شيء تقريباً من حياتي السابقة، كل شيء عدا الأشياء التي لم تكن مهمة يوماً رغم أننا نعطيها أهمية كبيرة، كالبلد الذي أعيش فيه، اللغة التي أتحدثها والدين الذي أنتمي إليه مع ما يبدو في ذلك من تناقض. أذكر ما هو مهم للغاية، كل أولئك الذي أحببتهم، كل الأحلام التي حلمتها، كل الأخطاء التي ارتكبتها والإنجازات التي حققتها، كل ضحكة ودمعة ولحظة امتلاء ورغبة في الموت وقطرة عرق ورائحة وطعم ورعشة وعناق حميم. أذكر كل شيء ولا يسعني الا أن اشعر بالحزن والشفقة على نفسي، والسعادة والراحة في نفس الوقت. لقد عشت حياةً ثريةً حقاً، رغم قصرها. قضيت كل لحظة فيها ممتلئة بالمشاعر والأفكار والتوهج، لقد عشت كما يجب، وكما أستحق. لا أملك شيئاً أتحسر أو أندم عليه. أنا جاهزة للعبور إلى الجانب الآخر الآن يا إلهي.. خذني!
لا؟
تباً! ظننت أن التظاهر بالاقتناع بهذا الكلام التافه الذي أسمعه في الأفلام سيجعلني أخرج من سجني. لماذا أبقى حبيسة في مقبرتي بحق الله! أين النعيم؟ أين الجحيم؟ أين العدم حتى؟ لقد مللت وأنا أتجول بين القبور ليل نهار، وحيدة وغير مرئية ولا مسموعة. أين بقية الموتى؟ كيف يعبرون إلى الحياة الأخرى من دوني! حتى أولئك الذين دُفنوا بعدي لم أرهم قط، أنا بمفردي تماماً. كنت لأشعر بالوحدة الآن، لكني على ما يبدو لم أفقد شمي فحسب، بل فقدت القدرة على الشعور أيضاً، كل ما يدور في عقلي هو أفكار وذكريات ورغبات مبهمة ربما، لم يبق لي من المشاعر سوى البدائية منها كالخوف أحياناً والخواء على الدوام. مرّرت يدي ببطء على سطح القبر المجاور لقبري، كانت تغطيه طبقة من الغبار وبعض الحصى الصغيرة. قبرانا هما الوحيدان اللذان يملكان أساساً اسمنتياً يرتفع عن سطح الأرض فيما دفن بقية الميتين في هذه المنطقة الريفية تحت الأرض فحسب، وبشواهد من صخر حُفرت عليها أسمائهم وتواريخ ميلادهم وموتهم بصعوبة. أما نحن، أنا وساكن هذا القبر، فإنا مختلفين. كلانا كان بطلاً قومياً، كلانا التحق بجيش البلاد ومات حاملاً راية ما في جبهة حرب ما. تُزيّن قبرينا الأعلام الملونة وأوسمة الشرف وتتكدس عند قاعدتيهما زهور الأقحوان والفوانيا والقرنفل والخشخاش وعباد الشمس التي يتم تجديدها وتبديلها باستمرار. أعرف أسمائها كلها وإلى ماذا ترمز بالضبط لأنني كنت اختارها بنفسي في السابق لأضعها بعناية عند قبر جاري هذا بالذات. هنا حيث يرقد مثلي الأعلى، هنا حيث يرقد أخي الأكبر…
تجمعت الغازات فجأة لتصنع ضباباً كثيفاً أخضر اللون يغلّف المقبرة كل ليلة عندما يغادر حافر القبور إلى بيته. لا أدري ما السبب في هذا فلا شيء يحدث على الاطلاق طوال الليل، وعندما توشك الشمس على الإشراق يعود الضباب لينقشع مرة واحدة أمام عينيّ. كان هذا يخيفني كثيراً في السابق، أذكر أول ليلة لي هنا وكيف أمضيتها كلها في البكاء والارتجاف والطرق بقوة على قبر أخي كما لو أنني أحاول استدعائه. وعندما هبط عليّ هذا الضباب الأخضر المقرف من اللامكان شعرت بقلبي يسقط في معدتي وأنفاسي تضطرب رغم أني لا أتنفس. ما زلت خائفة في الواقع، لا أنكر ذلك، ولكن لسبب مختلف تماماً.. أنا في الحقيقة لا أشعر أني ميتة على الاطلاق، وهذا يخيفني. أفكر دائماً بأن هذه