1
المرحلة من “حياتي” ستنتهي قريباً وسأعود للعيش بنفس الطريقة. سأرى أمي وأبي وخطيبي وأصدقائي ورئيس الفرقة 17 الغاضب. سأقضي بضعة أيام في المشفى لأعالج جراحي ثم أعود لأحمل السلاح وأدافع عن سيادة بلادي في مكان ما من العالم، بعد أن اطبع قبلة على جبين أمي وأخبرها انني سأكون على ما يرام، وأنها وأبي لن يضطرا لدفن طفل آخر من أطفالهما مبكراً. ثم وبعد بضع سنين من العمل الجيد سأترقى إلى منصب أقل خطورة واستهلاكاً، وسآخذ إجازة طويلة لأتزوج من الرجل الذي أحبه وأنجب طفلاً واحداً فقط أسميه تيمناً بأخي العزيز حتى وإن كان فتاة، فاسم ” تشارلي” يليق بالجنسين. ما رأيك بهذا يا تشارلي؟
*انظر إلى القبر الاصم* ايهما تفضل؟ ولداً أم بنتاً؟
استلقيت على قبري وأغمضت عينيّ بعد أن تأكدت من أن أخي لن ينهض من مرقده هذه الليلة ايضاً. لا أستطيع النوم بالطبع لكنني أحاول فعلها دائماً، أيّ شيء يثبت لي أنني ما زلت حية، أنني سأعود قريباً. تمكنت ذات مرة من تغييب وعيي قليلاً، للحظات فقط. شعرت أنني نمت حقاً. أتعرف ذلك الشعور؟ عندما تكون جالساً تذاكر مثلاً، ولا تكتشف أنك غططت في النوم إلا عندما تستيقظ لتجد أن رأسك فارغ تماماً لوهلة، ثم تبدأ المعلومات المشابهة لـ: من أنت؟ وماذا تفعل؟ بالوفود إليه. عندما مررت بهذه التجربة شككت في أنني ربما أكون – في أحسن الأحوال- حية بشكل أو بآخر. في غيبوبة مثلاً؟ هذا سخيف، أنا أعلم. لست جاهلة بالفيزيولوجيا لأنكر أن قلبي غير النابض وجلدي الشاحب المتجمد ورئتاي اللتان لا تمتلآ بالهواء أبداً خير دليل على أنني ميتة لا محالة. لست جاهلة، ولكني فقط محبطة. لماذا وصل بي الأمر الى هنا؟ أيعقل أنني انتهيت هكذا! جندية عشرينية واعدة قضت نحبها على يد المتطرفين بعد بضع جولات من التعذيب والاغتصاب. هذا سيء، سيء ولا يليق بي. لا يليق بكل تلك الأحلام التي حلمتها والأهداف التي نصبتها والحياة التي رسمتها لنفسي.
اوه.. اوه ..ما هذا ! ما هذا الذي يحدث!
تكوم الضباب حولي ليغطيني بالكامل، لم أعد أستطيع ان أرى الأفق ولا أصابع يديّ. شعرت به يلفني ككيان بأذرع عريضة ويجذبني بقوة إلى صدر واسع. أخذت نفساً عميقاً رغماً عني ولم أتصور قط أنني سأشم هذه المرة. شممت رائحة لم أصادفها من قبل أبداً في عالم الأحياء وأنا أدرك لماذا. شيء بهذه العفونة لا يمكن أن يوجد بجوار كائن يحتاج التنفس لينجو. أغلقت أنفي وفمي بيدي ولكن لا فائدة، لقد تغلغل هذا العطر المرعب إلى جيوبي الأنفية ومحجريّ وحلقي وثنايا عقلي، لا فكاك منه الآن. أنه يثيرني ويسيطر عليّ بشدة كما لم تفعل الغازات السامة والمسيلة للدموع، وغازات الضحك وغازات الأعصاب ورائحة الأجساد المحترقة، والكبريت والجاز والبارود وكل بخار قوي استنشقته من قبل. سحقاً إنه أسوأ منهم مجتمعين! والشيء الوحيد الأسوأ منه هو ما جلبه إلى داخلي معه. شعور فظيع شعرت به وأنا التي لم أشعر بالأشياء حقاً منذ أن مت. مزيج مجنون من الحزن والجزع والكراهية الخالصة، كلها كانت مترسبة في قلبي لحظة موتي وقد خرجت إلى السطح الآن، كل هذا الألم والعجز والمشاعر المقيتة. يا الهي! هل كانت ذكرياتي حقاً بهذا السوء؟ هل كانت حياتي بهذا السوء؟ آخر يوم لي كان سيئاً بالفعل، كنت ملقاة على أرضية زنزانة في إحدى معتقلات العدو. كانت كل بقعة في جسدي تنضح من الألم عندما فرغ مني الضباط المتوحشون وغادروا المكان الذي يعج برائحة البول والعطن والدماء المتخثرة.. دمائي المتخثرة. كان النصف الأسفل من جسدي قد شل أخيراً وتوقفت الأعصاب هناك عن نقل الإشارات ليُغْمى عليّ بعد ساعات طويلة قضيتها أتلوى من الألم. لم أكن أسمع شيئاً، كان المعتقل فارغاً كالصحراء، أو كعقلي المرهق في تلك اللحظة. كل ما تناهى لسمعي كان صوت نباح بعيد وصرخات تدوّي وتخفت في نفس الثانية قبل أن يدرك أحد أنها غادرت حناجر أصحابها. كان جسدي شبه عارٍ بعد أن تكبد أحد أحدهم عناء وضع ملاءة بالية على ظهري ومؤخرتي، كنت مستلقية على بطني ووجهي إلى الأرض. رأسي يقبع أسفل قاعدة المرحاض المسدود وأنفي يتشمم رغماً عني وعنه كل رائحة قذرة ممكنة. لم أستطع النهوض، لم أستطع الكلام، وبعد لحظات قليلة لم أستطع التنفس. كان آخر يوم لي في العالم فظيعاً، ولكن ماذا عن بقية الأيام؟
آه! آه! إنها فظيعة أيضاً! كلها سيئة. سلسلة طويلة من المعاناة يتخللها هزل هو الجد، وابتسامة مغموسة في الكدر، وفكاهة هي النكد بعينه. لا سعادة إلا بمقدار حبة خردل، ولا راحة إلا بمقدار سويعات في عمر كامل من العناء. هل كانت الأمور لتختلف لو لم انضم إلى الجيش اقتداء بأخي؟ لو بقيت في المزرعة مع