Перейти в канал

َ

1
⁨ الحياةُ بحدّ ذاتها مؤقتة، فبأيّ حقّ نبحث عن أبديّة الأشياء؟ كأن الإنسان يعيش في صراعٍ دائم مع الفناء، يحاول أن يقنع نفسه أن الأشياء يمكن أن تدوم، أن الوجوه التي أحبها لن تتلاشى، أن اللحظة التي يعيشها يمكن أن تتجمّد في الزمن فلا تمضي. لكن الحقيقة أقسى من كل هذا الوهم لا شيء يدوم. لا نحن، ولا مَن نحب، ولا ما نحاول حفظه في الذاكرة. كل شيء يمشي نحو نهايته كما لو أن الكون نفسه يتحرك بإيقاعٍ واحد: الانتهاء. لكن السؤال الذي يطاردني دائمًا: لماذا نبحث عن الأبدية ونحن نعرف أن كل شيء موقّت؟ ربما لأننا نخاف من الاعتراف بأننا زائلون، أو لأننا نحتاج أن نعلّق على جدار المعنى شيئًا يبقينا واقفين في وجه عبث الوقت. الإنسان لا يحتمل فكرة أن وجوده قد يكون مجرد لحظة في بحرٍ لا نهائي، لحظة تمرّ دون أن تترك أثرًا. ولذلك، يخلق وهم الخلود: في الذكر، في الأثر، في الأبناء، في الكتابة، في أي شيء يمنحه شعورًا بأن جزءًا منه سيتجاوز الموت. لكن لو تأملنا بصدق، سنكتشف أن الأبدية ليست نعمة كما نظن، بل عبء لا يُحتمل. فلو لم يمت الإنسان، لما عرف معنى الوقت، ولا قيمة التجربة، ولا لذّة البدايات ولا مرارة النهايات. إن الفناء هو ما يمنحنا الوعي بالوجود، كما يمنح الليل المعنى للنهار. بدون الفقد، لا نعرف ما هو الامتلاك. بدون النهاية، لا نفهم معنى البداية. الحياة لم تُصنع لتُحفظ، بل لتُعاش. هي لحظة عابرة، لكنها في عبورها تصنع دهشتها الخاصة. وكلما حاولنا تجميدها، قتلناها. لأن الخلود لا يعني البقاء، بل الجمود. والأشياء التي لا تموت، لا تعيش أيضًا. إذن، بأي حق نبحث عن أبدية الأشياء؟ ربما لا حقّ لنا في ذلك، لأننا أنفسنا صُنعنا من المؤقت، وُجدنا لنختبر لا لنمتلك. ولعل المعنى الحقيقي ليس في البقاء، بل في أن نحيا كما لو أن كل لحظة هي آخر ما لدينا، أن نمنحها صدقنا الكامل، لأن هذا وحده ما يجعلها تستحق أن تُسمّى حياة. فالحياة، رغم قصرها، قادرة على أن تحتوي الأبدية كلها، حين نعيشها بوعيٍ كامل. وما دامت تنتهي، فهي حقيقية بما يكفي.