1
شخصه، وكان دخول هؤلاء في دين الإسلام من أكبر الفتوحات والانتصارات التي حققها المسلمون وكان لهم أعظم الأدوار في
نشر الدعوة في قارة آسيا كلها، فكان من قبائل الأتراك الغزية مثلًا السلاجقة العظام، والعثمانيون الأبطال، والأوزبك الشجعان، والمماليك قادة العالم، وهؤلاء أدوا خدمات جليلة لا تنسى في خدمة الإسلام، ومن الأتراك القوقازيين ظهر أبطال داغستان والشيشان، ومن الأتراك الهياطلة ظهر الغزنويون والغوريون فاتحو الهند الكبار وهكذا كان ذلك كله على يد من ألقى البذرة الأولى "قتيبة بن مسلم".
إيمانه وتوكله :
من مواقفه الإيمانية الرائعة التي كانت سببًا لإسلام الكثير من قبائل الأتراك أنه لما فتح مدينة "سمرقند" وكانت قاعدة ملك الأتراك الهياطلة، اشترط "قتيبة" على أهل سمرقند شرطين:
أولهما: أن يبني في المدينة مسجدًا لله عز وجل ويضع فيه منبرًا ويصلي فيه ويخطب على المنبر.
ثانيها: أن يحطم أصنام المدينة ومعابدها، وبالفعل نُفذ الشرطان.
فلما أخذ الأصنام والأوثان ألقيت بعضها فوق بعض حتى صارت مثل الجبل الكبير، ثم أمر بإحراقها، فتصارخ أهل المدينة وبكوا، ثم قالوا له: "إن فيها أصنامًا قديمة من أحرقها هلك في الحال"، فقال القائد المؤمن "قتيبة": "أنا أحرقها بيدي فكيدوني جميعًا ثم لا تنظرون"، ثم قام إليها وهو يكبر الله عز وجل وألقى فيها النار حتى احترقت كلها.
غيرته على الإسلام :
عندما فتح "قتيبة" مدينة "بيكند" وكانت تابعة لـ"بخارى"، صالحه أهل المدينة، فجعل عليهم واليًا من المسلمين وترك بها مجموعة من المسلمين لتعليم الناس الإسلام، فلما رحل عنهم نقضوا العهد وقتلوا الوالي المسلم، وجدعوا أنوف من كان بالمدينة من المسلمين ومثلوا بجثثهم، فلما وصلت الأخبار إلى قتيبة وكان محاصرًا لمدينة أخرى، ترك حصارها وعاد مسرعًا إلى "بيكند" وحاصرها شهرًا وهدم سورها فحاول أهل المدينة الصلح من جديد ولكنه أبى، فلا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، وأصر على فتحها بالسيف حتى تم له ذلك، فقتل المقاتلين وسبى الذرية وغنم الأموال، ليرتدع الكفار والخارجون عن مثلها فلا يعودوا لنقض ذمة المسلمين وعهدهم، وليعلموا أن قطرة دم واحدة من مسلم أعز وأغلى من كفار الأرض جميعًا .
صبره وشدته :
تعرض الأمير "قتيبة" لعدة مواقف عصيبة صمد أمامها كالطود العظيم، وأظهر شجاعة وثباتًا لا يعلم مثله إلا من الصحابة رضوان الله عليهم.
من هذه المواقف: أنه بعد أن فتح مدينة "بخارى" فر منها ملكها "وردان شاه" وراسل ملوك الترك الكفرة الذين كانوا من قبل قد صالحوا "قتيبة" فأجابوه ونقضوا الصلح مع "قتيبة" واتفقوا عليه وحشدوا أعدادًا هائلة من الكفار، وأقبلوا في جيوش جرارة في تحالف وثني على أهل الإيمان.
ووصلت الأخبار للأمير "قتيبة" فأعد جنوده البواسل بعدما حرضهم وشجعهم على الجهاد والشهادة، فكشر الأسد عن أنيابه ووثب هو وجنوده على جيوش الكفار في معركة رهيبة، أبدى فيها المسلمون شجاعة نادرة وبسالة هائلة، فانتصروا على القوم الكافرين وقتل منهم عشرات الآلاف.
وحتى يردع الكافرين عن مثلها، صلبهم على مسافة أربعة فراسخ في نظام واحد، الرجل بجوار الرجل، وذلك في كل اتجاه من الجهات الأربع، فلم يقم للكافرين بعدها قائمة.
وبالجملة :
كان هذا البطل من أعظم الفاتحين في الإسلام وصاحب شخصية آسرة، كانت سببًا في إسلام أمم بأكملها من الأتراك، وكان علم الجهاد المقدم في الشرق حتى أدخل الإسلام لأرض الصين النائية، ولا يعلم أحد بعده قد وصل براياته إلى ما وصل إليه من بلاد كاشغر بالصين، فرحمه الله رحمة واسعة وغفر له .
المصادر :
1- البداية والنهاية.
2- سير أعلام النبلاء.
3- الكامل في التاريخ.