Перейти в канал

مقبرة الفراشات

1
يا لوحدتي! على الرغمِ من كلِّ ما حلَّ بي، لم أشعرْ بالخيبةِ والخذلانِ كما أشعرُ بهما الآن! أنتَ لم تكنْ أملي ولا نجاتي، بل الضربةَ الأخيرةَ التي أماتتْني! أتَعلم؟ لقد ابتلعتُ كثيرًا من المآسي والتباريحِ والمعاناة، إذ كان الظلامُ يُحيطني من جميعِ جوانبي، والرعبُ يداهمُ لحظاتِ طمأنينتي القصيرة، وكانتْ روحي تتمزّقُ أشلاءً في كلِّ يومٍ وليلةٍ. لقد ابتلعتُ الكثيرَ من البوادرِ المقزّزة من أقربِ الناسِ إليَّ، في المكانِ الذي يُفترضُ أن أكونَ فيه سعيدةً ومدلَّلةً. لكن يعزّ عليَّ الحالُ الذي أنا عليه الآن؛ فلم أشعرْ يومًا بمحبةِ من كان يُفترضُ أن يُشعرَني بها، ولقد بحثتُ عن حبٍّ وملاذٍ في أماكنٍ خاطئةٍ. أتَعلم؟ إنَّ الفقرَ والعجزَ والضعفَ والذلَّ والاحتياجَ والإهمال... كلُّ ذلكَ عانيتُه إلى الحدِّ الذي يجعلني، بمجرّد أن يقولَ لي أحدُهم: كيف حالكِ؟ أُصدّقه وأثقُ به حتى أنفاسي الأخيرة. حتى ظهرتَ أنتَ! كنتَ كنورٍ بعد طولِ عتمةٍ، كشروقِ الشمسِ بعد ليلٍ قاتمٍ. كانت مجرّدُ رسالةٍ منك تجعلني أُحلّقُ كالفراشة، ومنذ دخولِك حياتي لم أعدْ ألتفتُ إلى الحُثالةِ التي حولي، فقد غدوتُ متوهّجةً بك. لكن... ماذا فعلتَ؟ كيف هانَ عليكَ التفريطُ بي هكذا؟! لقد قلتُ لكَ إنني مريضةٌ، وليسَ لي معينٌ غيرُك! كيف تفعلُ هذا بي؟! أتتذكّر يا حبيبي كمْ فعلتُ من أجلك؟ وكيف سلّمتُ روحي وجسدي إليك كي لا تتركني في هذا المكانِ الموحش؟ أتتذكّر يا حبيبي، في ساعاتِ الخصامِ بيننا، عندما كنتَ تتركني أتوسّلُ إليك ألّا ترحل؟ أناديك ولا تستجيبُ لي، لتتركني أُعاني وحدي، ثم تعودُ بعد مدّةٍ محاولًا إرضائي، فأمسحُ دموعي عن وجنتَيَّ اللتين لم تجفّا بعد، وأتدلّلُ، والتبسّمُ لا يفارقُ وجهي، وعينايَ تلمعان. أتَعلمُ لماذا؟ لأنني أحبّك حبًّا جمًّا، وأعرفُ أنه إن طالَ زعلي، ستهملُني وتتركني. يا لسعادتي! أنظرْ في عينيَّ المتعبتين، أترى قدرَ الحبِّ الذي تحملانِه لك؟ أترى كيف تتوهّجانِ بحبّك؟ أمّا الآن... فقد خابَ ظنّي، وجفَّ حبرُ تمنيّاتي، واندثرتْ سعادتي، وانطفأتْ شمعةُ أملي الأخير. لقد سرقتَ مني حيائي وعفّتي، وسلبتَ آخر ما تبقّى لي، وتخلّيتَ عنّي. فلم تتركْ شيئًا سيئًا إلّا وجعلتَني أذوقُ مرارتَه. لقد ماتتْ فراشاتي... ماتتْ تلكَ التي كانتْ تحلّقُ كلّما ناديتَني باسمٍ حنونٍ، تساقطتْ أجنحتُها على أثرِ خيبتِك. أكان سهلًا عليكَ أن تتخلّى عنّي، وتتركني خلفكَ أناديكَ ولا يرفُّ لكَ جفنٌ؟ أتُدركُ كم أكرهُ نفسي الآن؟ ألم تفكّرْ بي؟ ألم تتساءلْ: ماذا سيحصلُ لها بعد كلِّ ما حلَّ بها؟ أنتَ الآن ترحلُ ولم تَكترثْ لما سيحدثُ لي، لكن كنْ على يقينٍ: أنك ستتذكّرُني جيدًا عندما تسقط. وكنْ على يقينٍ آخر: أنك لن تنجو أبدًا. أمّا أنا... فسيأخذُني الموتُ، وسأرحلُ الآن. برهةٌ من الوقت فقط... ليست سوى لحظاتٍ محدودةٍ. وتذكّر: لستُ مسامحتَك أبدًا على ما جعلتَني أشعرُ به. – وقار ✍🏼