1
حكاية التّابوت السّابع
من أدب الحكمة
إياك من رفقاء السّوء
كان بالمدينة رجل كثير المال ، ليس هناك من هو أغنى منه ، وكان له ولد وحيد ماتت عنه أمه وهو صغير ، فأغدق عليه المال والدلال حتى أفسده ، وكان الأب رجلا كريما كثير الصدقة والعطاء ، وكان كل صباح يأتي إليه رجل فقير بالسوق فيعطيه طعاما ، فيجلس إلى جواره حتى يأكل ، وبعدها ينصرف ، وظل الأمر على هذا الحال لسنوات ، حتى اشتد المرض بالأب ، وخاف أن يبدّد الابن كل ما ترك ، فحاول نصحه ولكن دون جدوى.
فقد كان رفقاء السوء يحيطون به وينتفعون ممّا هو فيه من بذخ وإسراف دون حساب ، ولما اقترب أجله استدعاه الأب وقال له :يا بني إذا متّ ، وضاع منك كل شيء ، وغلقت الأبواب في وجهك فعدني ألا تبيع هذا القصر تحت أي ظرف بل إجعله وقفا على مسجد القرية ،يكتب به لنا أجرا .
وإن ضاقت بك الحال وأصابك الفقر، إذهب إلى المغارة القريبة أين دفن أجدادك في توابيت كما هي عادتنا ،هناك خمسة، والسّادس سيكون لي قريبا ،أما التابوت السّابع هو من نصيبك، إفتحه ،تجد داخله دواءا تشربه ثم تستلقي فيه، و تموت ميتة سهلة مستورة ، ليس فيها ألم وتحفظ نفسك من ذلّ السّؤال والفقر،فليس أشد قسوة على المرء من نظرة الإحتقار لمن لا مال له ولا جاه.
لم يأخذ الابن كلام أبيه على محمل الجدّ ،وقال له ،أعرف قسوة الفقر لكن هذا لا يبرر اليأس من الحياة ،ثم ما فائدة الحديث عن القصر لا تزال هناك الكثير من الأملاك التي تكفيني دهرا ،أجاب الأب : وماذا تعرف عن الفقر ،طول عمرك عشت مدللا ،إسمع نصيحتي ،فليس لي غيرها،وابتعد عن أصدقاء السّوء قبل أن يعجلوا بخرابك ،أجاب الإبن: لا تقلق يا أبى سأنّفذ رغبتك..
في آخر اليوم وافت المنيّة العجوز ،فدفنه في التابوت السّادس كما أوصاه ،وعندما همّ بالخروج رأى التابوت السّابع الذي أعده أبوه له ،كان من رخام الأبيض ومنقوش عليه إسمه،إبتسم وخاطبه: دون شك تبدو جميلا وفاخرا ،لكن يجب أن تنتظر، مازال أمامي العمر كله لآتي إليك ،وسيصفرّ لونك قبل أن تحسّ بدفئ جسمي ..
واصل صحبته لرفاق السّوء الذين زيّنوا له قبيح أفعاله ،وصرفوه عن طريق الخير والإستقامة ،وأصبح كل همّه اللهو والمجون ،وترك تجارة أبيه في أيدي من تنقصه الهمّة والعزم،وأهمل الضياع فجفت الأرض وتلفت الأشجار،فباعها برخص التراب ،وكسدت تجارته وباع دكاكين والده واحدا بعد الآخر ،ورغم سوء حاله لم ينصحوه بالتوقّف عن حياة البذخ ،وإنقذ ما تبقى من أملاكه ،كانوا يقولون له أنّ صفقة واحدة رابحة ستعوّض ما خسره ،وصوّر له غروره صحّة هذا الكلام .
لكن تبدّد ماله، وكل ما تركه له أبوه ، ولم يبق له سوى القصر، فباع الأثاث ، وانفضّ الرّفاق من حوله ، وكرهوا صحبته حتّى أنه كلما ذهب إلى أحدهم أنكر وجوده ، ورفض لقاءه،وتذكر قول الشاعر :
رأيت الناس قد مالوا *** إلى من عنده مالُ
ومن لا عــــنده مالُ *** فعنه الناسُ قد مالوا
رأيت الناس منفضة *** إلى من عنده فضة
ومن لا عنده فضة *** فعنه الناسُ منفضة
ساءت أحوال الفتى ، ولم يعد يقدر على أكل ما تعود به من طيب الطعام،واصبح يرضى بأيّ شيئ حتى ما كان يرميه لكلابه ،تساءل كيف فني كلّ هذا المال في وقت قصير ،ولام نفسه عن إتباع هوى نفسه ،وعدم التّبصر بالأمور،وغاب عنه أنّ الجبل لو قطعت منه جزءا يسيرا كل يوم يأتي يوم ينهار فيه. لم يستوعب الدرس إلا متأخّرا بعد أن إنتهى كل شيئ ..
إنفضّ عنه كلّ النّاس ولم يبق سوى المسكين الذي كان يعطف عليه أبوه في حياته،ورضي أن يتقاسم معه طعامه القليل و ماءه .فضاقت به السبل وانسدّت في وجهه الطرق . لقد بقي له القصر، بإمكانه بيعه لكنّه قال: لقد عصيت أبي عندما حذرني من أصدقاء السوء ، لكني هذه المرّة لن أخلف وعده فيما يتعلق بالقصر ،وسأجعله وقفا على المسجد بعد موتي . عندما إنتهى من كتابة وصيته وتسليمها للإمام ،قال :لقد كان ابي محقّا في حديثه عن قسوة الفقر ،و خير أن أغادر هذه الدّنيا بكرامتى، من العيش متسوّلا ،فأنا لا أصلح لشيئ .
إغتسل ،ولبس ثيابا جديدة بيضاء، واتجه للمغارة مع الرّجل المسكين ،شرح له ما سيفعله وقال له : عندما أشرب الدّواء، واستلقي في التابوت انتظر قليلا حتى أموت، ثم ضع الغطاء ،وصلّ عليّ ،حاول المسكين ثنيه عن هذه الفكرة الرّهيبة ،لكن الفتى أصرّ على موقفه ..
وقف الفتى أمام التابوت السّابع ،وقال له: غريب القدر ،جئتك قبل أشهر، وها نحن نلتقي بأسرع ما كنت أتصوّره .اخذ نفسا عميقا ،وأزال الغطاء، وقرّب الشّمعة منه، فأضاء التّابوت بريق أصفر،وهنا شهق الفتى من الدّهشة، لقد كان بريق ذهب ،لم يصدّق ما رأته عيناه، فأدخل يده وأخرجها مليئة بالقطع الذّهبية ..