142
يا من سكنتَ الفؤادَ رُغمَ رَحيلِكَ البعيدْ
ذكراكَ نارٌ بقلبي، وما للصبرِ من عَودٍ جديدْ
يا مَنْ زرعتَ الهوى في مهجتي ضوءَ شمسٍ
وغبتَ عنها، كأنَّ الليلَ قد أرخى الجليدْ
كيف السبيلُ لقتلِ الحنينِ وللصبرِ
ونارُ الفراقِ في الأحشاءِ لا تنفكُّ تُوقِدُ وقودْ؟
يا مَنْ جعلتَ للحبِّ طِيبًا، وللعمرِ نكهةً
وها أنتَ اليومَ لا بَينَنا صَوتٌ ولا وَعيدْ
يا زهرةً نَمتْ في ربيعِ الروحِ،
ما بالُها ذبُلتْ فجأةً في خريفِ الصدودْ؟
يا طيفَها الباقي في خلايا القلبِ
ما بالُه كلّما تنفّستُ، هبَّ في دمي عنيدْ؟
هل كنتُ وهْمًا في دنياكَ؟ أم كنتَ
أملًا في دنيايَ؟ أم كنتَ قدرًا موعودْ؟
يا مَنْ تركتَ بقلبي سيفَ حُزنٍ
ينزفُ دمعًا، ويجري منه حبرُ القصيدْ
يا مَنْ خطفتَ فرحي، وتركتَ لي
ليلًا طويلًا بلا صبحٍ، ولا نجمٍ يُستَفيدْ
ها أنتَ اليومَ سافرْتَ في غياهبِ المدى
وها أنا هنا وحدي، لا رفيقَ، ولا صَديقَ، ولا دليلْ
لكنكَ علمتَ قلبي معنى الحبِّ والودادْ
فصرتَ لي مدرسةً من الودِّ، مهما يطولُ البعادْ
وها أنا اليومَ أخطُّ لكَ من دموعي رسالةَ وداعٍ
أقولُ فيها:
سلامٌ عليكَ، وسلامٌ على أيامٍ جمعتنا
سلامٌ على ذكراكَ، وإن أوجعتنا
سلامٌ على قلبٍ أحبَّك، وإن خَذلتَهُ الأيامْ
سلامٌ عليكَ… وسأبقى أدعو لكَ بالسلامْ.
ويا مَنْ رحلتِ في يومِ ميلادي، وتركتِني
أُطفئُ شموعي وحيدًا، والفرحُ غائبٌ بعيدْ
ما بالُ عيدٍ كان لي يومَ ولادةٍ جديدةٍ
قد صارَ قبرَ أحلامي، ودمعًا على الخدِّ يجودْ؟
كيف لقلبي أن يحتفلَ بيومٍ
صارَ يذكّرني بكِ، ويُعيدُ ألمَ الفَقيدْ؟
وهل للسنينِ شفاءٌ من جرحِ يومٍ
صارَ ميلادَ وجعٍ، وأحزانًا بلا حدٍّ ولا قيدْ؟
أيا سائِلَ الدّهرِ عن لوعتي وحَزني
أما علمتَ بأنَّ الهوى لا يُستَعيدْ؟
وأنَّ جرحَ القلبِ إنْ هاجَ في الظُّلْماتِ
لا يشفى، وإن سافرَ العمرُ، أو زادَ العُمُدْ؟
وأنَّ ما ضاعَ بالأمسِ في عيونِ الغيابِ
ما عادَ يومًا، وإن ناحتْ عليهِ قصائدُ القصيدْ؟
يا قلبُ، صِرْ صبرًا، فإنَّ الفراقَ مدرسةٌ
فيها دروسُ الفِراقِ تُعلِّمُنا الصُّمودْ.